close
اخبار جول العرب

جول العرب | أخبار | كأس العالم

Pari Ali, mi amigo eterno.

من أجل علي، صديقي الأبدي.

هكذا كتب دييجو أرماندو مارادونا بخط يده على قميص الأرجنتين الذي يحمل اسمه ورقمه (10) قبل إهدائه إلى علي بن ناصر.

حدث ذلك يوم 17 أغسطس 2015، بالتحديد 10 آلاف و648 يومًا منذ لقائهما السابق.

زيارة 2015 كانت في تونس، في منزل بن ناصر، أمّا اللقاء الأول الذي خلّده التاريخ، فحدث على عشب ملعب أزتيكا في نيومكسيكو.

لكن القصة لا تبدأ يوم 22 يونيو 1986، وأيضًا لا تنتهي يوم 17 أغسطس 2015.

بالرجوع أكثر إلى الوراء، 14 يونيو 1982، القوات الأرجنتينية تعلن استسلامها وانسحابها من جزر الفوكلاند بعد أن قهرتها البحرية البريطانية في نزاع مسلح استمر 74 يومًا.

حرب سريعة تسببت في مقتل 649 جنديًا أرجنتينيًا كانت صورهم تمر أمام أعين مارادونا في ظهيرة 22 يونيو 1986 أثناء رمي علي بن ناصر لعملته المعدنية في الهواء.

في مواجهة مارادونا وقف بيتر شيلتون قائد إنجلترا، لم يره مارادونا كحارس مرمى المنتخب الخصم، بل تجسيدًا للهزيمة العسكرية التي نالتها بلاده والدماء التي سالت من مواطنيه قبل 4 سنوات.

ولذلك، قرر مارادونا في ذلك اليوم الحار أن يكون ذِكْر الأرجنتين وإنجلترا في عبارة واحدة مرتبطًا بتلك المباراة، كيف؟ لا يهم، سيفعل كل ما يتطلبه الأمر.

بن ناصر

ولأجل تلك المواجهة المتوترة، أسند الاتحاد الدولي لكرة القدم مهمة إدارة المباراة للتونسي علي بن ناصر.

في معاونته كمساعد أول كان الكوستاريكي بيرني أولوا موريرا، والبلغاري بوجدان دوتشيف.

بن ناصر كان الحكم الأفضل في قارة إفريقيا دون منازع وقتها، فقد أدار نهائي كأس الأمم الإفريقية مرتين، كما أدار نهائي دوري أبطال إفريقيا 1981، وظهر في كأس العالم للشباب 1985.

وفي مونديال 1986 أدار بنجاح مباراة بولندا والبرتغال في الدور الأول، لتكون مباراة ربع النهائي بين إنجلترا والأرجنتين من نصيبه.

شوط أول انتهى سلبيًا، قبل أن تتحوّل حرارة ملعب أزتيكا إلى جحيمٍ في الدقيقة 51.

جلين هودج مدافع إنجلترا أخطأ في تشتيت الكرة لتعود صوب مرماه، ويخرج لإمساكها زميله شيلتون، لكن مارادونا (165 سم) قفز ليسكنها الشباك برأسه… أو هكذا ظن الحكم بن ناصر.

بعد الهدف مباشرةً كان هناك لحظات صمت وترقب، مارادونا يركض محتلفًا ويخطف نظرات إلى الخلف كاللص.

عندما مرت ثوانٍ دون أن يطلق بن ناصر صافرته، أدرك مارادونا أن هدف “يد الإله” بات واقعًا، لقد تم احتسابه!

يقول بن ناصر في حوار مطوّل مع هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” بعد سنوات طويلة:

“أتذكر ما حدث بوضوح، المدافع الإنجليزي أرجع الكرة للخلف ومارادونا كان في الهواء مع بيتر شيلتون وكلاهما كانا غير مواجهين لي”.

“كانا في مواجهة مساعدي البلغاري بوجدان دوتشيف. ترددت في البداية، ولمحت دوتشيف الذي اتجه مباشرة نحو دائرة منتصف الملعب محتسبًا الهدف، لم يشر إلى لمسة يد”.

“تعليمات الاتحاد الدولي للحكام كانت واضحة: لو كان مساعدك في تمركز أفضل منك، فعليك احترام رؤيته”.

“جاري لينيكر حضر إليّ وقال: من فضلك أيها الحكم، إنها لمسة يد. فقلت له: استأنِف اللعب لو سمحت”.

“وفقًا لتعليمات فيفا، فالهدف كان 100% بالنسبة لي”.

دوتشيف

الضلع الثالث في تلك القصة هو البلغاري دوتشيف، الحكم المساعد الثاني لـ بن ناصر في تلك المباراة.

دوتشيف كان في مواجهة مارادونا وشيلتون لحظة الهدف، وزاويته سمحت له بمشاهدة كل ما حدث بالكامل.

لكنه لم يتدخّل، وعند وفاته في 2017 كانت عناوين الصحف:

“وفاة الحكم المساعد الذي فشل في احتساب لمسة يد دييجو مارادونا بلقطة يد الإله”.

حياة كاملة لُخِصَت في عدة كلمات للإشارة إلى لحظة استغرقت كسرًا من الثانية.

لكن دوتشيف امتلك بدوره وجهة نظره من الأحداث ليوضّح سبب عدم تنبيه من ناصر:

“الاتحاد الدولي لم يسمح وقتها للحكام المساعدين بمناقشة حكام الساحة في قراراتهم”.

“لو عيّن فيفا حكمًا أوروبيًا لتلك المباراة المهمة، لتم إلغاء الهدف. بن ناصر لم يكن جاهزًا لإدارة مباراة بهذا الحجم، لقد كان معتادًا على تحكيم المباريات بين الجمال في الصحراء”.

“لقد شاهدت أن مارادونا لعب الكرة بيده، لكن وقتها قوانين فيفا كانت تنص على أن المساعد منوط بإعطاء رأيه فقط إذا سأله حكم الساحة”.

“بن ناصر احتسب الهدف حتى قبل النظر إليّ لمراجعة اللقطة، لم نتواصل أبدًا، بن ناصر كان يتحدث لغته الأم فقط”.

“دييجو مارادونا دمّر حياتي. إنه لاعب رائع لكنه رجل صغير، قصير في القامة وفي الشخصية أيضًا”.

علاقة بن ناصر ودوتشيف كانت ودية حتى تلك المباراة، لكنهما لم يعودا للحديث أبدًا بعد ذلك.

بن ناصر كان يتحدث العربية والفرنسية بطلاقة، وبعضًا من الإنجليزية. بينما تحدث دوتشيف لغته الأم البلغارية، بجانب الألمانية وقليلًا جدًا من الإنجليزية.

وكان الاتحاد الدولي يضطر لتوفير مترجم في غرف خلع الملابس للترجمة بين طاقم التحكيم، هذا المترجم لم يكن حاضرًا بالطبع في الملعب، مما ترك الحكمين في مشكلة تواصُل رهيبة.

لاحقًا وبعد سنوات، عدّل الاتحاد الدولي من شروط دخول القائمة الدولية، وجعل من إتقان اللغة الإنجليزية والقدرة على التواصل بها شرطًا أساسيًا، بل بات يعيّن طواقم تحكيم من نفس الجنسيات على قدر المستطاع، أو من نفس القارة على الأقل.

دوتشيف الذي كان حاصلًا على شهادة في الاقتصاد، مارس كرة القدم بشكل احترافي في الدوري البلغاري بالستينيات، وبعد اعتزاله توجّه للتحكيم.

لكن حياته تغيّرت للأبد منذ عودته من المكسيك في صيف 1986، لدرجة أنه أحضر صورة لـ مارادونا وكتب على ظهرها: “مارادونا حفّار قبري”.

تقول إيميلي أرملة بوجدان دوتشيف في لقاء صحفي بعد وفاته:

“بوجدان انعزل على نفسه بشكل كبير منذ تلك الواقعة”.

“بن ناصر أخبر زوجي قبل المباراة: ليس عليك أن تقوم بأي شيء، كل القرارات سأكون مسؤولًا عنها أنا”.

“لم أسامح بن ناصر أبدًا، ولن أسامح مارادونا أيضًا.

“حياتنا دُمرَت بعد كأس العالم، بوجدان انعزل، وأصدقاؤنا كفوا عن تحيتنا، لم تكن يد الإله بالنسبة لنا، بل ركلة في الأسنان”.

وفقًا لصحيفة “جارديان” البريطانية، فإن بن ناصر تحجج بعد اللقاء بأن علاجًا يأخذه لعلاج البواسير قد أثّر على نظره في المباراة ومنعه من رؤية لمسة اليد.

الكوستاريكي بيرنلي أولوا المساعد الأول الذي خرج سالمًا من تلك المباراة عكس زميليه، يقول إن بن ناصر اعتراه حزن بالغ في الفندق عندما شاهد إعادة الهدف واكتشف الخطأ الفادح.

هدف القرن

يشتهر مارادونا بلقطتين يعبرّان بمثالية عن مسيرته، شخصية، حياته، أفكاره: هدف يد الإله، وهدف القرن.

لكن هل يُعقَل أن يقرر مارادونا القيام باللقطتين في نفس المباراة؟ بل الأدهى: في ظرف 5 دقائق!

في الدقيقة 56، بعد 5 دقائق من صدمة الهدف الأول، تسلّم مارادونا الكرة في وسط الملعب، هذه المرة كان بن ناصر قريبًا منه بما يكفي.

ربما بن ناصر كان أكثر من استمتع بالهدف على كوكب الأرض، مهنته سمحت له بالمشاهدة عن كثب، دون أن يتكبّد عناء غير ناجح في محاولة افتكاك الكرة مثل لاعبي إنجلترا، أو يقوم بمجهود غير ضروري في التمركز لتلقي الكرة مثل لاعبي الأرجنتين.

يتذكر بن ناصر دوره الذي يعتبره محوريًا في هذا الهدف:

“مارادونا انطلق من وسط الملعب، كنت أراقبه عن كثب. عندما تدير مباراة للاعب مثل مارادونا، فلا يمكنك أن تزيح عينك من عليه”.

“لقد حاولوا إسقاطه في 3 مناسبات، لكن رغبته في الانتصار دفعته نحو الأمام. في كل مرة كنت أصرخ advantage حتى وصل منطقة الجزاء”.

“كنت أشاهد الموقف من خارج منطقة الجزاء، وأتساءل كيف مر هذا اللاعب من 3 مدافعين وركض حوالي 50 مترًا، اعتقدت أن المدافعين سيحاولون إسقاطه الآن، كنت أتوقع حدوث ذلك ومستعدًا لاحتساب ركلة جزاء”.

“لكن للمفاجأة، فقط راوغ مدافعًا آخر ثم تجاوز حارس المرمى ليسجل ما سيكون هدف القرن”.

“أنا فخور وأتشرف بكوني الشخص والحكم الذي لعب دورًا في هذا الإنجاز التاريخي؛ فلو احتسبت مخالفة في أي من الالتحامات الثلاثة الأولى، لم نكن لنشهد هذا الهدف الرائع. إتاحة الفرصة تلك هي واحدة من أكثر إنجازاتي التي أفخر بها”.

بعد عقود عندما حضر مارادونا لزيارة بن ناصر في منزله، قال التونسي موجهًا كلامه للأرجنتيني: “الأرجنتين لم تفز بكأس العالم، بل من ربحه هو مارادونا، هو أنت”.

ليجيبه مارادونا: “لولاك لما سجّلت هدف القرن”.

المباراة التاريخية استمرت إثارتها عندما أشعلها لينيكر -هدّاف تلك البطولة- بهدف تقليص الفارق في الدقيقة 81.

ويعلّق بن ناصر:

“عندما سجّلت إنجلترا هدفها، من داخلي أردت أن يدركوا التعادل، أردت الاستمتاع بالمباراة لـ 30 دقيقة أخرى، كانت مباراة ممتعة للغاية من بدايتها حتى نهايتها”.

“رغم الحرارة المرتفعة يومها، تمنيت أن تستمر المباراة، كانت مواجهة جميلة بين منتخبين عظيمين”.

في النهاية خرجت الأرجنتين فائزةً في طريق تتويجها بكأس العالم لثاني مرة في تاريخها والأخيرة حتى اللحظة.

أمّا بن ناصر ودوتشيف فلم يعودا لإدارة أي مباراة في كأس العالم مجددًا.

جحيم القاهرة

الغريب أن مباراة الأرجنتين وإنجلترا الكفيلة بقطع أنفاس أي حكم، لم تكن الأصعب في مسيرة علي بن ناصر.

لمعرفة المباراة الأصعب يجب العودة إلى الوراء 3 أشهر والتحليق بآلة الزمن صوب استاد القاهرة.

21 مارس 1986، نهائي كأس الأمم الإفريقية بين مصر والكاميرون.

يتذكّر بن ناصر ذلك اللقاء بكثير من الرهبة في حديثه لمجلة Panenka:

“عندما دخلنا أرض الملعب لإجراء عملية الأحماء، اكتشفت أنا ومساعديني أن الطقس حار للغاية بالنظر لكوننا في شهر مارس، وعلى الفور اضطررت إلى رفع أكمام قميصي الذي كان أسود اللون أيضًا ويجذب آشعة الشمس”.

“لكن المدرجات كانت المكان الذي انقلبت فيه الحرارة جحيمًا حقًا حيث تواجد 95 ألف مشجع، الملعب كان مكتمل العدد”.

“لم أكن قد أدرت مباراة طوال حياتي بهذا العدد الجماهيري الهائل، وبالطبع الحضور بأكمله كان في صف مصر”.

“دخلت الملعب لإدارة مباراة في كرة القدم، ولكن مباشرةً بعد إطلاق صافرة الانطلاق أدركت أنها أكثر من ذلك بكثير، أدرت يومها المباراة الأصعب في مسيرتي، ليس بسبب ما حدث داخل أرض الملعب، بل بسبب الجحيم الذي كان محيطًا بي”.

في اللحظات الأخيرة من الوقت الأصلي للمباراة، أرسل محمود الخطيب عرضية من الجهة اليسرى، استقبلها طاهر أبو زيد برأسية سكنت الشباك الكاميرونية.

منتخب الأسود غير المروضة اعتقد أنه خسر الكأس عند سماع زئير الجماهير المصرية في استاد القاهرة.

لكن بن ناصر تدخّل على الفور وألغى الهدف بداعي وجود مخالفة ارتكبها ربيع ياسين في حق توماس نكونو حارس مرمى الكاميرون.

ويتذكّر بن ناصر كواليس هذا القرار العصيب:

“كنت أعرف أن إلغاء هذا الهدف الذي كان كفيلًا بتتويج مصر كان سيضعني في خطر، لكني آثرت النزاهة، وفي نهاية المباراة حضر نكونو لتهنئتي بالقرار ولشجاعتي لاتخاذه”.

“بعد ذلك النهائي بين مصر والكاميرون، إدارة النهائي بين الأرجنتين وإنجلترا كانت سهلة للغاية”.

الجيل الثاني

عائلة بن ناصر لم تنقطع عن التحكيم باعتزال عليّ، إذ خلفه نجله قاسم في الحصول على الشارة الدولية.

وبرز قاسم بن ناصر لعدة سنوات بين حكام الصفوة الأفارقة، إذ أدار إياب نصف نهائي دوري أبطال إفريقيا 2008 بين القطن الكاميروني ودينامو هاراري الزيمبابوي.

بل عاد بن ناصر “الابن” للقاهرة في 2005 -حيث أدار والده مباراته الأصعب- ليشرف على مباراة الأهلي وفيلا كامبالا الأوغندي التي فازت بها كتيبة مانويل جوزيه بسداسية نظيفة.

كما ظهر قاسم بن ناصر في كأس الأمم الإفريقية 2008 وأدار خلالها 3 مباريات، وأشرف على لقاءات في تصفيات كأس العالم 2010.

وسواء بسبب نيومكسيكو أو القاهرة، فـ علي بن ناصر سيظل اسمًا تحكيميًا تكتب عنه أقلام الصحافة للأبد.

زر الذهاب إلى الأعلى